يُعد طلاق الحائض من المسائل الدقيقة في فقه الطلاق، لكثرة وقوعه عمليًا، وكثرة الجهل بحكمه الشرعي وآثاره القانونية. ويثور التساؤل دائمًا: هل يقع طلاق الحائض؟ وهل تعترف به المحاكم الشرعية في الأردن؟
في هذا المقال نعرض المسألة فقهيًا وقانونيًا وفق الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية الأردني، مع بيان الفرق بين الحكم الشرعي والإثم، وبين الأثر القانوني للطلاق.
أولًا: ما المقصود بطلاق الحائض؟
طلاق الحائض هو:
إيقاع الزوج الطلاق على زوجته أثناء فترة الحيض، وقبل أن تطهر وتدخل في طُهرٍ لم يجامعها فيه.
ويُسمّى هذا النوع من الطلاق في الفقه:
الطلاق البدعي مقابل الطلاق السُّنّي.
ثانيًا: الحكم الشرعي لطلاق الحائض
1️⃣ الدليل من القرآن الكريم
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (سورة الطلاق: 1)
وجه الاستدلال:
- "لعدتهن" أي في وقتٍ تبدأ فيه العدة صحيحة
- والحيض لا تبدأ فيه العدة
- ➡️ فيكون الطلاق فيه مخالفًا للأمر الإلهي
2️⃣ الدليل من السنة النبوية (النص الحاسم)
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
«أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رسولَ الله ﷺ، فقال: مُرْهُ فليراجِعها، ثم ليُمسِكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمسّ» (متفق عليه – البخاري ومسلم)
📌 وهذا الحديث أصل المسألة فقهيًا.
ثالثًا: هل طلاق الحائض محرَّم؟
نعم. أجمع الفقهاء على أن:
- طلاق الحائض طلاق محرّم شرعًا
- لأنه:
- مخالف للسنة
- يُطيل العدة
- ويُلحق ضررًا بالزوجة
⚠️ لكن التحريم لا يعني بالضرورة عدم الوقوع (وهنا يأتي الفرق الجوهري).
رابعًا: هل يقع طلاق الحائض شرعًا؟
🔹 رأي جمهور الفقهاء (وهو المعمول به قضائيًا)
- يقع طلاق الحائض
- مع الإثم على الزوج
- ويُحسب طلقة واحدة
وهو مذهب:
- الحنفية
- المالكية
- الشافعية
- الحنابلة (في المعتمد)
📌 ابن عمر نفسه – راوي الحديث – احتُسب عليه الطلاق.
خامسًا: الموقف القانوني في الأردن
📌 القاعدة المعتمدة في القضاء الشرعي الأردني
- طلاق الحائض يقع ويُعتد به
- مع اعتبار الزوج آثمًا شرعًا
وقد استقرّ العمل القضائي استنادًا إلى:
- اعتماد رأي جمهور الفقهاء
- وتنظيم الطلاق البدعي في القانون
📌 الأساس القانوني
لا يوجد في قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 نص خاص يُبطل طلاق الحائض، ولذلك يُفهم حكمه ضمن القواعد العامة للطلاق، مع بقاء التحريم الشرعي ثابتًا.
أما حالات عدم وقوع الطلاق، فقد حددتها المادة (86) حصرًا في: السكران ومن في حكمه، المدهوش، المكره، المعتوه، المغمى عليه، والنائم. كما تشترط المادة (80) أن يكون المطلق مكلفًا واعيًا مختارًا.
📌 النتيجة: وبما أن القانون لا ينص على بطلان طلاق الحائض بذاته، فإنه لا يُستثنى من أحكام الطلاق العامة لمجرد وقوعه زمن الحيض، مع بقاء التحريم الشرعي.
سادسًا: الفرق بين الحكم الشرعي والأثر القانوني
| الجانب | الطلاق البدعي (في الحيض أو النفاس أو في طُهر جامعها فيه) | الطلاق السُّنّي (في طُهر لم يجامعها فيه) |
|---|---|---|
| الحكم الشرعي | محرَّم ومخالف للسنة | مشروع وموافق للسنة |
| وقوع الطلاق | يقع (عند الجمهور) | يقع بلا خلاف |
| عدد الطلقات | طلقة واحدة | طلقة واحدة |
| الإثم على الزوج | ثابت | لا |
| بداية العدة | تبدأ من وقت وقوع الفرقة، لكن لا تنقضي إلا بثلاث حيضات كوامل | تبدأ من وقت وقوع الفرقة |
| الاعتداد القضائي في الأردن | نعم | نعم |
سابعًا: متى لا يُعتد بطلاق الحائض؟
لا يُعتد بالطلاق — سواء وقع في الحيض أو غيره — إذا قام سبب مستقل يمنع وقوعه:
- الإكراه أو السُكر أو الدهش أو فقدان الإدراك — وفق المادة (86)
- تخلّف أهلية المطلق أصلًا (كأن لا يكون مكلفًا واعيًا مختارًا) — وفق المادة (80)
- صدور الطلاق بلفظ غير معتبر شرعًا أو قانونًا
📌 العلة: انعدام الإرادة أو الأهلية — لا الحيض في ذاته. حالة الزوجة (حائض أم طاهر) لا تؤثر على صحة الطلاق، وإنما على إثم الزوج.
ثامنًا: أخطاء شائعة حول طلاق الحائض
- الاعتقاد أن الطلاق لا يقع مطلقًا
- الخلط بين التحريم وعدم الوقوع
- الاعتماد على فتاوى غير مطبّقة قضائيًا
- إهمال توثيق الطلاق
- عدم مراجعة محامٍ شرعي
⚠️ هذه الأخطاء قد تؤدي إلى نزاعات قانونية جسيمة.
تاسعًا: دور المحامي الشرعي في قضايا طلاق الحائض
يساعدك المحامي الشرعي في:
- بيان الأثر القانوني الحقيقي للطلاق
- منع الاستناد إلى فهم خاطئ
- حماية الحقوق المالية المترتبة
- تنظيم الرجعة إن وُجدت
- تمثيلك أمام المحكمة الشرعية بدقة فقهية
🧾 خلاصة فقهية وقانونية
طلاق الحائض محرّم شرعًا، لكنه لا يُبطل في الأردن لمجرد وقوعه زمن الحيض، ويُعامل من حيث العدد وفق أحكام القانون الأردني، مع وجوب تسجيل الطلاق والرجعة رسميًا، وبقاء الآثار المالية والعدة خاضعة لظروف كل واقعة ونوع الطلاق.
❓ أسئلة شائعة حول طلاق الحائض في الأردن
1. هل يقع طلاق الحائض في الأردن؟
نعم يقع. طلاق الحائض يقع ويُعتد به قانونًا وفق رأي جمهور الفقهاء المعتمد في المحاكم الشرعية الأردنية، مع ثبوت الإثم على الزوج.
2. ما المقصود بطلاق الحائض؟
طلاق الحائض هو إيقاع الطلاق على الزوجة أثناء فترة الحيض، قبل أن تطهر وتدخل في طُهرٍ لم يجامعها فيه. ويُسمّى الطلاق البدعي.
3. هل طلاق الحائض محرّم شرعًا؟
نعم محرّم. أجمع الفقهاء على تحريمه لمخالفته السنة النبوية. لكن التحريم لا يعني عدم الوقوع.
4. ما الفرق بين التحريم وعدم الوقوع؟
التحريم: يعني أن الفعل إثم على الزوج. عدم الوقوع: يعني أن الطلاق لا يُحتسب. طلاق الحائض محرّم لكنه يقع عند الجمهور.
5. ما الدليل على وقوع طلاق الحائض؟
ابن عمر رضي الله عنه طلّق زوجته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها، واحتُسب عليه الطلاق. وهذا أصل المسألة فقهيًا.
6. هل يمكن إلغاء طلاق الحائض لأنه مخالف للسنة؟
لا. مخالفة السنة في التوقيت تُثبت الإثم لكنها لا تُبطل وقوع الطلاق قضائيًا.
7. كم طلقة يُحسب طلاق الحائض؟
يُحسب طلقة واحدة، وحتى إذا اقترن بعدد أو تكرر في مجلس واحد فإنه لا يقع به إلا طلقة واحدة وفق المادة (89) من قانون الأحوال الشخصية.
8. هل طلاق الحائض رجعي أم بائن؟
يعتمد على عدد الطلقات. إذا كان أول أو ثاني طلقة فهو رجعي من حيث الأصل، إلا إذا وُجد سبب يجعله بائنًا.
9. متى تبدأ العدة ومتى تنتهي في طلاق الحائض؟
تبدأ العدة قانونًا من وقت وقوع الفرقة (أي من لحظة الطلاق)، لكن عدة ذوات الحيض لا تنقضي إلا بعد ثلاث حيضات كوامل. هذا يعني أن العدة في طلاق الحائض قد تمتد أطول فعليًا مقارنة بالطلاق السُنّي — وهو أحد أسباب تحريم الطلاق في الحيض.
10. هل يؤثر طلاق الحائض على حقوق الزوجة؟
وقوع الطلاق في الحيض لا يسقط الحقوق لمجرد توقيته، لكن الحقوق المترتبة تختلف بحسب نوع الطلاق، ووجود الدخول أو الخلوة الصحيحة، وطبيعة المطالبة القضائية:
- نفقة العدة: مستحقة وفق المواد (151-152) متى وجبت العدة
- السكن خلال العدة: يرتبط بأحكام العدة والسكنى، وليس حقًا مطلقًا في كل حالة
- المؤخر من المهر: يبقى بحسب عقد الزواج وأجله
- التعويض عن الطلاق التعسفي: ليس تلقائيًا — يُحكم به إذا ثبت التعسف وطلبته الزوجة، وضمن حدود المادة (155)
11. متى لا يُعتد بالطلاق حتى لو وقع في الحيض؟
لا يُعتد به إذا ثبت أن الزوج كان مُكرَهًا أو سكرانًا أو مدهوشًا (المادة 86). العلة هنا انعدام الإرادة، لا الحيض.
12. هل يجوز للزوج مراجعة زوجته بعد طلاق الحائض؟
نعم إذا كان طلاقًا رجعيًا (أول أو ثاني). يجوز له مراجعتها خلال العدة دون عقد جديد. ويجب تسجيل الطلاق والرجعة أمام القاضي — وإذا وقع الطلاق خارج المحكمة، فعلى الزوج مراجعة المحكمة لتسجيله خلال شهر (المادة 97).
13. هل تعتمد المحكمة على فتاوى بعدم وقوع طلاق الحائض؟
لا. هذا الفهم يتفق مع القواعد العامة في قانون الأحوال الشخصية الأردني ومع الفتوى الرسمية في الأردن التي تقرر أن طلاق الحائض محرم لكنه واقع. الفتاوى الخاصة لا تُلزم المحكمة.
14. ما دور المحامي الشرعي في قضايا طلاق الحائض؟
يساعد في: بيان الأثر القانوني الحقيقي، حماية الحقوق المالية، تنظيم الرجعة إن وُجدت، ومنع الاستناد إلى فهم خاطئ.
تنبيه شرعي وقانوني: هذه الإجابات عامة، ولكل واقعة خصوصيتها، ولا تُغني عن استشارة محامٍ شرعي مختص قبل اتخاذ أي إجراء قانوني.